كتابة الصمت والغياب

مايو 11th, 2009 كتبها رجاء الطالبي نشر في , غير مصنف, قراءات عاشقة

 

 
يرسم محمد الصابر بقصائده وطنا من كلمات، وطنا حيث تكون الإقامة ممكنة تحت ظلالها تفيء أرواح لا تكف تغادر نحو غابة الكلام الأساسي هربا من هجير يحرق ومن عالم ضارب في السقوط. كأنها الكلمات أرواح تتشابك ترتجف تقترف الحياة ولعا هربا من كينونة تموت تلتقط روحها القصيدة وهي تركض كيما تقتفي آثار آلهة احترفت الرحيل. من هنا تصبح القصيدة استنطاقا للمقدس حين يكون همها السفر في ظلمة لا تكف تنشر سلطانها وإضاءة عمى ضارب في عشق عتمة بالغة الحلكة. هل تسمي قصيدته المقدس حين ترحل وراء هذا اللامسمى وتقول هذا الذي يعسر قوله فتضيء بسفرها الصعب العتمة حيث يتخفى ، ينحجب النشيد فتجدف كيما تمنح للشمس أن تنبلج أولى أشعتها فتشعل نارا لا مرئية لا تعرف التحلل ولا الفساد. نار القول المنحجب المحجوب قلب عتمته المضيئة. فتضيء القصيدة ، وتشير لكن وهي حريصة على الإخفاء فتحرص في العتمة على ما يمكنه أن يضيء فتكون المضيئة المعتمة ، المعتمة حتى في الإضاءة.
تنمحي قصيدة الصابر وهي تسمي المقدس فتصبح صمتا يستدعي كلام الإله الذي يتكلم فيه ومن خلاله، الإلهي بما هو الصعب والعسير قوله المفتقر إلى القول. تقول القصيدة عبر صمت الإله الذي تحتجزه اللغة ، ما يبزغ محافظا على خفائه. إن قصيدة الصابر تبقى خفية عسيرة على القبض وفي تخفيها تقبض على أثر الآلهة المندثرين. إنها الخفية في الحضور العميق للإلهي. حاضرة ومرئية بهذا الغياب والعتمة للإلهي. حارقة بحميميتها الممزقة وبجوهرها الخاص . كأن قصيدته تعلن بدءا ما . من خلالها تنبجس قوى كأنها الأولى حيث كل شيء يشع. وكأن

المزيد


كتاب الروح/بقلم : الناقد المغربي حسن المودن

ديسمبر 24th, 2007 كتبها رجاء الطالبي نشر في , قراءات عاشقة

   

 

 

               " قليلة هي الأرواح التي تتفهم لغة الأعماق

                  وعظيم هو احتياجي في هذا الواقع/ الصــحراء

                  لمن يفهم لغة أعماقي… ربما لو تمكنت الروح

                  من أن تبزغ للعيان بكل جراحها بكل الأهوال

                  التي عبرتها وتركت ندوبها لأثارت الرعـــــــــب

                  بمنظرها المحروق…"     ) شموس الهاوية ــ

                  ص 48 ــ 49 ( .

 

        لا نبالغ إذا قلنا إن رجاء الطالبي كاتبة تحاول أن تؤسس مفهوما مختلفا للكتابة، أو الأصح أنها تؤسس الاختلاف في الكتابة: فهي تكتب الأدب، لكنها ترفض الكتابة داخل جنس أدبي محدد. وهي تكتب المرأة، تكتب جسدها وأنوثتها، تكتب امرأة المرآة، ولكن بلغة روحية تنفذ إلى ما هو أعمق من التمييز الجنسي بين الذكر والأنثى، فهي لا تقول الذات إلا في علاقتها بآخرها، لاتقول إلا لقاءه أو فقدانه، لاتقول إلا آخر الذات، ذلك المفقود المغيب لكنه المشتهى والمرغوب.

       يمكن القول إننا أمام نصوص تشيد نوعا من الكتابة العابرة للأجناس، أدبيا وجنسيا. فهي يوميات عاشق أبيقوري، لا يمكنك أكنت ذكرا أو أنثى " أن تخرج من قراءتها نفس الشخص الذي وطئ أولى عتباتها، لأنها تمس فم الجرح فيك، الجرح الوجودي المتغذي من استحالة التحققات التي غدى نشدانها زوبعة وجودك الحسي". وهي، بمعنى آخر، حديقة أبيقور حيث الولع بذلك الضوء الصوفي لمدننا، لمكاننا، لذاتنا، لاخرنا، وحيث البحث عن ذلك المفقود، عن ذلك الآخر الذي مبعثه ما لا يرى وما لا يلمس.

         وبعبارة أخرى، تتقدم الكتابة في نصوص رجاء الطالبي تمجيدا لذلك الصعب العسير الامتلاك، ذلك اللامرئي واللاملموس. فهي عين أخرى منزاحة عن الواقع ومنكبة على استجلاء عسير الامتلاك وعسير الرؤية والإنصات. وهذه العين تحول الكتابة إلى شفافية كبرى، إلى نزيف الشفافية، لأنها تكتب الصمت والبياض، تكتب تلك الأعماق المجهولة التي تنظرنا كلما تحررنا من قهر الحياة الخارجية، تكتب سؤال الوجود، ووجودنا اليوم أكثر من أي وقت آخر صار، على حد تعبير صديقنا الناقد محمد معتصم، وجودا بالاستعارة.

         وتأتي نصوص رجاء الطالبي في سياق أدبي يركب التجريب، لكننا نفترض أنها تذهب أبعد من التجريب الذي يستلذ تدمير الكتابة وهلاك المعنى مكتفيا بجمال اللغة وبلاغتها. فهي نصوص تستعيد الهوية الأصلية للكتابة، وتعيد طرح الأسئلة القديمة قدم الإنسان: ما الإنسان؟ ما الوجود؟ ما الحياة؟ ما العالم؟ لكن السؤال في نصوصها يطرح بقوة الحياة والحب والأمل، فتتحول الكتابة إلى " هاته الشهوة العارمة"، " شهوة العالم"، الشهوة التي تتغذى من اللعب والطفولة والفوضى من أجل بناء معنى جديد للعالم والحياة والإنسان.

    

المزيد