الخواف/ بقلم : الكاتب والإذاعي التونسي عامر بوعزة
كتبهارجاء الطالبي ، في 16 أبريل 2008 الساعة: 09:44 ص
كل صباح ينهض من نومه منفلـتا من السرير كمن يفكّ نفسه من عقال حديدي أو كمن يهرب من جبّ كان على وشك أن يقع فيه ..
تلاحقه الكوابيس المرعبة في النوم وفي اليقضة ..
تتكرر نفس المشاهد ...الصور ذاتها كل ليلة تلاحقه وتحاصره وهي تقهقه ساخرة فتدوّي في دهاليز روحه أصداء ضحكتها العابثة…
كلّ ليلة يرى نفسه وهو على وشك الوقوع في جبّ عميق يقع في أرض نائية خالية من البشر ليس فيها إلا فحيح الثعابين ولاتحدّها غير الجبال الحمراء والرياح العاتية…
ينهض كل يوم فيتفقد أعضاءه عضوا عضوا ليتأكد من أنه ما يزال على قيد الحياة وأنه ما يزال صالحا لتنفيذ الأوامر وتطبيق التعليمات…
يتمطى…يتثاءب..يتجشأ..يحمل جثته ويغادر غرفة النوم إلى المرحاض ..يلقي نظرة من النافذة الصغيرة فيطمئن إلى أن الشارع ما يزال في مكانه وأن سيارته رابضة هناك كالقطة الوديعة…
في المرحاض يحاول أن ينشط مخيلته ويحرّر آلة التفكير من مخاوف الأمس ليستقبل يوما جديدا من أيام الناس العادية…
يستغل تلك الدقائق الثمينة ليفكّر..ويخطّط..وأحيانا يقرّر…ويتحاشى في أحيان كثيرة أن يتذكّر فلطالما كانت الذكريات بالنسبة إليه كالمسامير الوخّازة…
منذ طفولته الأولى ولسبب غير معروف لازمه الخوف كما لوكان قد ولد معه وانبعث إلى العالم من نفس الرحم الذي خرج منه فاقترن به وأبـى أن يفارقه..
كان الخوف يعبّر عن نفسه بكل طلاقة فترى صاحبنا إذا اشتدّ عليه أمر ما ترتخي مثانته فلا يقوى على مقاومة السائل الحار المتدفق في سراويله مبلّلا فخذيه…
بال مرّة من غير أن ينبس بكلمة واحدة أمام المعلّم في المدرسة الابتدائية حين لاحظ اتساخ أظافره..
وبال مرّة أخرى في إحدى قاعات المدرسة الثانوية حين تذكّر فجأة أنه قد نسي بعض واجبات درس التربية المدنية…
وبال ثالثة عندما طلب منه رفقاؤه أن يشاركهم إضرابا عن الكلام في درس اللغة والآداب العربية احتجاجا على معاملة الأستاذ الصارمة والمهينة…
أخضعته أمه إلى حصة كيّ بالنار الباردة في زاوية سيدي الحلفاوي لتنقطع عنه هذه العادة فكانت أول زيارة له إلى العاصمة…ثمّ ألبسته الحفّاظات الواقية من البلل حتى سن متقدّمة فكان ينزوي في حصص الرياضة في مكان قصي حتى لا يلحظ أحد ما يحمله تحت ملابسه الداخلية…
ثمّ بدأ تدريجيا يتعلّم كيف يهرب من الأوضاع الحرجة حتى لا ينكشف أمر خوفه الأبدي وأخذ يعوّد نفسه على التراجع والمناورة والصمت والغياب المتعمّد والتظاهر بسوء الفهم …
وتطوّرت محاولته تلك إلى ضرب من التفكير في أقوم المسالك والسبل فاكتشف وسائل أخرى أكثر فعالية وجدوى لمقاومة الخوف …
تعلّم الوشاية وصار يجد لذّة لاتقاوم في نقل أي خبر للجهات المعنية فينال رضاها عنه ويضمن تغافلها عن علّته المزمنة وخوفه المقيم في أعماق نفسه فوجد من هذه الجهات كل الرعاية والحنان الأبوي مكتشفا فيما بعد أن خوفه ذاك كان بطاقة عبور إلى عالم الكبار ..
منذ ذلك الحين تصالح مع مثانته التي عذّبته طيلة عقدين من الزمن وبدأ يلاحظ نموّا غير عادي بدأ يطرأ على أذنيه ...
صارت له أذنان مستطيلتان تشبهان أذني الحمار ومرهفتان مثل أذني الأرنب البري يسمع بهما ما يحبّ سماعه من الكلام الخافت السري الثمين…ورزقه الله موهبة سماع ما وراء الجدران الصمّاء والأبواب المغلقة وألهمه حسن التصرّف في ما بين يديه من كنوز الكلام…
ومنذ ذلك الوقت بدأ يشعر أنه يتصالح مع ذاته فصرف معظم سنوات دراسته الجامعية في التهام عيون الشعر العربي حتى حفظ باب المديح عن ظهر قلب وصار يتفنّن في إظهار معارفه الأدبية تلك مطعّما كلامه بالشعر الفصيح والمثل السائر والحكمة البليغة…
وهكذا ما أن استقرّ به المطاف في الوظيفة العمومية حتى أخذ يتسلّق السلّم بلاهوادة منشبا فيه مخالبه التي نمت عبر سنوات الخوف وصار يرى نفسه في المرآة مزيجا غريبا من الموروثات والمكتسبات والمتناقضات…
صار أشبه بلاعب السيرك الذي يقطع كل يوم أمام آلاف المتفرجين خمسين مترا على سلك حديدي دون أن يفقد توازنه أو يقع على الأرض ...
كان يمارس بالحذلقة اللغوية أعتى مهارات السيرك فيحوّل بالكلام طبيعة المادّة والعناصر والألوان …يريك الأسود أبيض والأبيض أسود و القصدير ذهبا برّاقا والشوكولاطة الناعمة ديناميتا خطيرا…
وإذا منعك الحياء أو الخوف من أن تعدّل نظرته إلى الأشياء وتريه بموضوعية اللغة أن الأسود أسود وأن الأبيض أبيض فهو ينفخ هامته زهوا معتقدا أن فصاحته لا تحـدّ وأن حجته لا تردّ…
وهكذا اكتشف صاحبنا أن المحيطين به كلّهم مثله ربّما كانوا يرتدون مثله حفّاظات واقية من التبوّل اللاإرادي لحظة يدعون إلى قول الحقيقة …
اكتشف أن ضعفه قوّة وأن قوتهم ضعف فاخترق صفوفهم ..وارتقى مدارج المسؤولية ..وحشا جيبه الداخلي بوصولات البنزين..وركب السيارة الإدارية التي تربض الآن في زاوية الشارع كالقطة الوديعة وهو ينظر إليها مرّة أخرى من نافذة المرحاض بعد أن أنهى حصّة التفكير اليومية واستنبط بعض القرارات المصيرية ..
وبعد أن أغلق أزرار بنطاله صار جاهزا للجلوس ليوم آخر على عرش مملكته لتلقي فروض الولاء والطاعة…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 16th, 2008 at 16 أبريل 2008 2:01 م
تحياتي للأستاذة رجاء
إدراج جيد ومثير خاة للطريقة السلسة التي اتبعها الكاتب في السرد ، وما من قارئ ينهي قراءة النص الا وتبدو امامه علامة استفهام كبيرة حول من يقصده الكاتب بحكايته ، ولا يجد جوابا لاستفهامه سوى في رجل حكم متجبر عاش عقدا عديدة وفتح عينيه أخيرا على كرسي يحاكم من فوقه الكثيرين ممن كان يشعر بالحرج وهو بالقرب منهم .
مشكورة أختي ودام قلمك مبدعا .