من يوميات عاشق أبيقوري
كتبهارجاء الطالبي ، في 27 فبراير 2008 الساعة: 16:58 م
بعض المدن مثل حبيباتنا اللواتي عبرن ويعبرن عمرنا الضوئي، لا يمكن أن تطرقهن دون أن يتركن بأعماقك قبسا من ضوء أو من جنون عاهل يحرق يباسك وجفاف أراضيك، يغذي بالطراوة أعماقك التي أتى على أخضرها بعض من المدن أو بعض من النساء.
بعض المدن لا يمكن سوى أن تهجرها وفي حلقك، فمك حفنة من تراب، ومن اشمئزاز..سهل لقاؤها..كما هين عبورها وتركها وراء ظهرك…بعضها الآخر لا يمكن أن يكون اللقاء الأول به إلا صاعقا..مدوخا..يقلب سكون دمائك وخمولها ليلقي بك في إعصار الافتتان والدهشة اللذين لا يمكن أن تخرج منهما إلا وخلفت في عجلة زمنك، حياتك الكثير من دمائك وأعصابك التي تحتاج الوقت الوفير لتتخلص من توتر الاندهاش، الشغف الذي علق بين ثناياها فصعب اقتلاع علوقها في القلب، في الأعصاب، وفي مجرى الدم. خرجت من بعض المدن وفي حلقي غصة الفراق وفي قلبي أشواك الوحشة منغرسة..مدمى حتى النبض لا يمكن إلا أن أكون..أنا الذي أشرعت خزائن أعصابي وشموس قلبي لها..لقيتها بالاندهاش وفارقتها بكثير من الحسرة والالتياع، ولأنني أكره أن أنهك خفق ولوعي فقد غادرت وشموسها في النبض لا تزال متوهجة للتو رمتني سماؤها ببعض ندى الطل فابتهجت لهطولها زهور شراييني. وأدمنتها أعماقي كما أدمنت حبيباتي اللواتي هجرتهن خوفا من أن ينطفئ سحرهن المشتعل كالحريق في أحشائي. كي تحافظ على وهج الأشياء دائم الاشتعال فارق وأنت في عز اللقاء..في عز وهجك وامتلاكك لسحر اللحظة. لا تتمسك بحب التملك البليد ذاك يطفئ السحر بملاحقته وطلبه وامتلاكه والإسراف في نشدانه. غادر بمجرد أن تكتشف ولوعك؛ في الحرية تقبض على جمرة السحر دائمة الاشتعال..لا ترهقها بدوام الطلب؛ غادر ونيرانها تحترق فيك ونشوتها تستديمها عروقك..اذهب حتى ولو في النبض بروق الفراق ولاعة.
دخلت تلك الدينة الخريفية التقاسيم الوثنية الشهوات…دخلتها فتملك أعصابي سحر غريب، كنت أجوب أزقتها الضيقة، تلاحقني شمس عليلة في شروقها نكهة الأفول العذب، ريحها البحرية تتلاعب بخصلات شعري، تعصف بهدوء جلدي واستسلام جسدي وتقعي بي في التوتر. زنجية العشق أسوارها النحاسية تخترق عمقي، تصحي رغباتي، استيهاماتي…تشدني فتنتها من ناصيتي، في عروقي..دمائي تنفخ سحرها المتوحش. طبول الافتتان تضرب في أعماقي الناهضة المنشدة إلى إيقاعها الغريب المقلق..أتوغل فيها، تنفتح أمام اندهاشي وطلبي كالرحم الدوارة الشرهة، تمتصني فيها، أذهب منبهرا بعذوبتها الفتاكة. هل يمتلك الهدوء، الصمت كل هاته الفتنة الصخابة، العاصفة بالكيان. هدوء ملغوم مسكون بوثنية لا يمكن لجسدك سوى أن يحترق بمجرد ما تلثم ريحها شفير الأعماق. تلك المدينة الهادئة الوثنية..نساؤها السمراوات المشتعلات وراء الحايك..نظراتهن..خزرتهن التي تقلب الأحشاء وتشعل فيك نيران الطلب..سحر منفلت صعب يقتلعك من هدوئك، عسير الامتلاك..مزوبع المطارحة..دموي العلوق..
أحبها حتى لو بالدم كان اقتلاعها وسكناها..أدمنتها الدماء وأدمنت ملقاها ومنآها..غريبة الأطوار..غريبة الشهوات…غريبة المرام..غريبة المنأى والهيام..أحبها، أحب الصعوبة التي يطارحني هواها،،أقتفي خطاها ويعوضني الغياب عنها حضورها هي التي رمتني بسهام التوتر، الغموض وعسر الانفلاق، الانغلاق..صعبة الامتلاك..صعبة الاحتواء..ميسرة اللقاء..كالشذا فوها..كل لمسة..كل تقارب لفح سعيري يبطش بالأعصاب وينفخ في نار التوق وشغف الطلب..أحبها..أحب التوتر الجميل الذي يذكيه ملقاها.
على ناصية مقهى بحري طالعني حضورها الذي لا يمكن إلا أن تنتبه لتميزه..عيناها غائبتان في كتاب بين يديها، كل كيانها منخرط فيما تقرؤه، ومن حضورها ينبعث ألق غريب يحيطها بهالة من التميز والفرادة. صمت متناغم أم سكينة مموسقة ينضح بها كل عضو من جسدها اللذيذ التقاسيم..أجدني كالمشدوه يلتهم حضورها العذب، وكأنما نظراتي تريد أن تسقي كل عضلة في جسدي، كل عرق.. كل نقطة دم من كيانها البهيج الفريد..ألتهمها في..أملؤني بها..وتثقل نظراتي رغبتي في انسكابها المعتق في. كتابها الذي بين أناملها الضوئية يطالعني عنوانه كالزوبعة، يبطش بأحشائي:"هيبريون" لهلدرلن..هي أيضا مخلوقة ضوئية تياهة مولهة بإرث الضوء ومسرة نجواه حين ينسكب في العروق فيملأ بالبهجة مسام الجسد التواقة الذواقة لطعم مسرته العالية…في صيف مضى، التحمت بتماس لا مثيل ه ب"هيبريون" هلدرلن..أتذكر تلك المشاعر الحراقة..وذلك الاشتعال البهيج الذي كان يصاحب تناولي الشره لكلمات، لشعر ذلك الشاعر الذي انكوى بصواعق السماء في بحثه، اقتفائه لآثار الآلهة الآفلين..أو في انكوائه بذلك الحب المستحيل ل"سوزيت غونتار". بعض الكتب لا يمكن أن تخرج من قراءتها نفس الشخص الذي وطئ أو عتباتها، لأنها تمس فم الجرح فيك..الجرح الوجودي المتغذي من استحالة التحققات التي غذى نشدانها زوبعة وجودك الحسي الذي لا يقبل سوى بالصعب المستحيل التحقق..تلك الرغبات..تلك الأحلام..التي غذت وجودك، شدتك إى تجاوز الأحسن فيك وطلب الأمثل…لا يمكنك أن توجد إلا بهاته البئر العميقة المستريحة في أعمق كيانك تلتهمك تلتهم ما أنت، توقا أبديا وحركة دائمة لتجديد ما أنت..لدفن ما أنت نشدانا لوجود في المستقبل يراود قلق ما أنت وشهوة ما سيكون. الشخص الذي كنته حينها، ماتت فيه أوفر تلك الشعلات..انطفأت عندما تصادمت وبؤس الواقع، انتفتحت عوضها مقبرة العدم التي لا تتعب من التهام كينونة الحاضر والسخرية المرة مما هو موجود والدوس القاسي على كل آيل للسقوط..قسوة تغلف العلاقة بالوجود، بالإنسان اللذين لطالما أصاباني بالخذلان والإحباط أنا الذي أذكيت النبض والحواس من احتفاء بهما وحبا لهما.
في مقهى بحري، في مدينة زنجية التقاسيم كان أول لقائي بها، ربط عشق كتاب حبل الود بيننا، تبادلنا الملاحظات، تبادلنا النقاش، اقتسمنا مائدة الأعماق الجليلة وأدركنا ونحن في غمرة التفاصيل المشتركة أن هوى الدماء، الأعماق مشتركة يجمعنا نحن اللذين أسسنا في العزلة مملكة الأعماق التي أثثناها بكل ما يبهج النبض ويجعل الدم يزغرد. عشقنا للكلمة، للشعر، للعوالم المتخيلة المستحيلة، هناك حيث تحبك المصائر الجليلة التي من النادر وقوعها في مجرى الأيام البئيس..أحببنا كل ما يعلي من إيقاع هاته النشوة المقدسة، جلسنا والكلمة، الموسيقى، مدام نتبادل كؤوسها، تصاعدت نشواتها في الرأس فاشتعلت الدماء، اضطرم بريق العيون، كل لمسة حريق يزوبع الدواخل، كل نظرة تحرق شموسها المتوهجة. حريق مضطرم في الكيان، نشوته باذخة..أمواجها هدارة تطلب التحقق والامتلاء.
زنجية التقاسيم والأهواء، دافئة الحنايا حد الاشتعال، مضيافة، لضوئها الصباحي العليل، بريحها البحرية المتشربة المسام، بأسوار قلاعها النحاسية، ببواباتها الضخمة، جمال معتم يتغلغل فيك مصحيا أهواءك الشيطانية، تولع في رأسك الرغبة في اقتناص اللحظات وكأنك صياد حياة تطاردها أنت الذي تدرك إلى أي حد أنت هدف حميم للموت. في اللحظة الموالية بعد دفقة النشوة ستأخذك الموت، ناعم القياد، سهله أنت الذي أذبت فيك كل شهوات التحقق.
حلوة المبسم والنظرات، شهية الاستدارات، تعجبني من رأسها حتى أخمص قدميها، تقبل، فينهض كل جسدي لملاقاتها، تتأجج روحي لسماعها؛ غنية بكل هذا الثراء الروحي، وافرة الحضور لا يمكن إلا أن يمتلئ المكان بها لتحس ذبذبات الحبور تسود الفضاء الذي تحل فيه. سحرها الذي مبعثه روحها الفياضة أو تلك الهالة من الإشراق والألق الذي يحيط بمجلسها. أريدها في الحضور والغياب وحين تدبر ينبثق كالشلال الهادر نشيدها، يملأ علي وحشة غيابها، يملأ روحي بتموجات النشوة، كلما نطقت اسمها أو لمست عيني ثناياها هللت في أعشاشها عصافير فرحتي.
"ما تبحث عنه قريب، ويأتي لملاقاتك"
أنا الذي أبحث عن أسرار النشوات..أنا الذي أقتفي لمعان خيوطها القرمزية في رأسي..أحسني أضيء..أتوهج..تترقرق مني النظرات والحضور كلما ملأتني حياة..كلما تحققت..وجدت بما أحب كونه وجوده في الآن، في اللحظة هم يحارون في إقبالي النهم على الحياة، وكأن اللحظة ستفلت مني الحياة. أحب أن أستنزف الحياة حتى آخر رمق..أقبل عليها كالذي سوف يموت في اللحظة الآتية. منذ ولدت وإحساسي بالموت يلاحقني لا يفارقني..سأموت الآن، هذه الفكرة تملؤني بالمرارة لاستحالة تمكني التمتع بجمال الحياة لاحقا. الموت مجهول حالك ينتظرني يسلبني لذة أن أحيا، أن أكون بما أعشق..ذلك المجهول المعالم الذي ينتظرني بمجرد أن تسدل ستائر العيش ونأمر بالتحليق في مطلق هاته الظلمات الرهيبة..ماذا أكون هناك..بأي عين سأرى..بأية أعضاء سأحيا..هل سأحافظ على أرضيتي، أم سوف ساتحول إلى روح تخفق بأجنحة..وما جدوى هاته الروح وسط عالم الظلمات ذاك..أفكر في بعثي في نشوري في الحساب..في إنسانيتي غير المكتملة التي خلقت بها منذ البدء والتي سأحاسب على نقصانها وعدم كمالها،، لست ملاكا حتى أنزه من الأرضية الجميلة..الأرضي مقدس مشتهى حتى بعد الموت والنشور..أحب أرضيتي..أحب جسدي..أحب أعطابي وخطاياي،، أحب ما أنا حفنة من تراب وصلصال ونار ونور.
حين تغيبين تتقاسمني حالات الوجود والغياب. حين أفكر في سويعات اللقى، حين أستحضر بكل قطرة مهللة في دمائي كلماتك، نظراتك، حركاتك، نظراتك الخفرة وقد أثقل شوقها لي جفونك.زحمرة الخجل التي تلون محياك أنت التي تغلي دماؤك توقا وشوقا..أحس حبك، أحس لهفتك، أمتلئ بالنشوة، تغمرني السعادة؛ كل هذا الجمال ي..كل هذا الألق، كل هاته الأنوثة المتفتحة، سعادتي فائقة، أحبك، أشتهيك في خفاقة بالحضور، مرتعشة بين ذراعي، أريد أن أثمل بك، أريد أن أفكر فيك..أريد أن ألمس فم هذا الجرح اللذيذ الذي تركته لي وذهبت، لم أكلمك..لم أحدثك عن تلك اللوعة..عن ذلك الحزن المتوحش وذلك الثمل الذي تركه لي حضورك وغيابك..فادح غيابك أنا الذي امتلأت كل ذرات جسدي بك، لما رأيتك، لما اخترقت عمقي نظراتك، لما أشعلت في حريقها وتركت لي الرغبة في الدنو منك بصمت، في الإنصات لك، في لمسك والتمتع الصامت بحضورك أمامي، أو جواري..أريد أن أبقى قلب هذا الانخطاف..يملؤني الحنين إليك يتحول إلى أسنان دقيقة للوعة تقضم في غصرار ودون توقف شغاف القلب..أيتها الحبيبة اللذيذة بحزنها، لم يمهلنا الوقت لنملأ زمننا الخاص بصهيل الحب. الحب هو ما يضيء عمرنا الضوئي، أرى الوجود حولي يرقص وكأنما موسيقى خفية كهبة الجدل ولن تكون سوى موسيقى الحب ترقص الذات والوجود على نارها المهيلة التي تطلب ولا تكف عن طلب المزيد من الاحتراق..الشهوة للحب لا تنتهي ولا تتعب..تسكنين كل ما يحيط بي أراك في..أراك في فنجان القهوة. تسكنين أنفاسي حرارة جسدي، ممتلئة هي السيجارة دخانها بخفقك..قمصاني ربطات عنقي..عطري الذي تحبينه ممزوجا برائحة سجائري..أنوثتك المقطرة التي تذوب وتنساب نعومة أمام رجولتي..رقيقة، ناعمة الحضور منسابة الاختراق، مائية لا يمكن سوى أن تمتصك تربتي طالبة طراوتك، ربيعك المنبثق من طيب لقيانا.
حينما أداهم نفسي بمثل هذا البوح، حينما أعترف بضعفي أمام سلطان الحب، حين أخضع لانتظاري، للتوتر..أسخر من نفسي، من تأنيث الحب لي، كيف أسمح له أن يغزوني، أ نمثل هذه الهشاشة أعماقي أنا الذي قارعت الخطوب وألنت تعنت الأيام بحريتي التي هي مكسبي الوحيد..كيف أرضى أن يفقدني الحب حريتي..كثيرون سيسخرون لو اطلعوا على هاته المشاعر..كيف يمكن لإنسان ناضج، عاقل، عملي أن يذوب حبا، أن ينشغل بالحب والواقع أحداثه مشاكله، صراعاته، مجرياته تجعل الفرد منشغلا محمولا ليس بالحب فهو شغل خليق بالصغار، بالضعفاء..ومن لا شغل لهم…تتحجر الأعماق، يتحجر الجسد من طول ملاحقته لجذبة الحياة (وكأن الحب ليس أمرا جديا) يضحي من الصعب استجابته للحب..لا أتحدث عن تلك العلاقات السهلة (coule ) التي لا تتطلب انشغالا أو انكبابا..سهلة الوقوع سهلة الانمحاء والذهاب..سريعة كما هو إيقاع الحياة العصرية..من العصور الغابرة سأصنفُ، فمثل هذه الصعوبة التي أبحث عنها في الحب لم تعد مرغوبة ولا مطلوبة..فسلام عليهم يوم يلتقون ويوم يفترقون ويوم يصلبون صعوبة/جمال الحب على أعتاب السهولة والعصرية…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























