أناقة العابر
كتبهارجاء الطالبي ، في 9 يناير 2008 الساعة: 18:04 م
تأليف: فيليب جاكوتي
تقديم وترجمة: رجاء الطالبي
تقديم:
قريب هو فيليب جاكوتي بكتاباته من الطبيعة، الأرض، السماء، التربة، الأشجار، والعصافير..، كلها تشكل موضوعا بالنسبة إليه للتأمل والتفكير. فكما لو أن إقامته بين الناس انقطعت ولم يعد له من رفقة سوى أشياء الطبيعة التي هي مصب تفكيره وتأمله .بنظرته التي لا تجعل شيئا يفلت منها والتي تنكب على الوجود، بمحبة لا نظير لها؛ يتأمل، ويفكر، سيان. يحمل فكره وإحساسه الكبير إلى إبداع صور مدهشة تتعدد فيها الألوان، وتتشكل فيها الأحاسيس. منصت وراء كبير. لا يكف عن الإنصات لنبض الكائنات واستعارة لغة تقول الشيء في صمته.
تستدعي نصوصه الغائب، فالأشياء التي عفت ما هي سوى تجسيد لزمن منصرم تكون الكتابة مناسبة لاستحضاره والتفكير فيه. تصبح الطبيعة مسرحا للغياب. وتجسيدا لاندثار أناقة القديم. كل أثر فيها ما هو سوى حافز للذاكرة لاستحضار تلك الصور الباذخة المرتبطة بأحلامنا الأكثر عذوبة والأكثر توقدا. إن حقيقة هذه الوجودات قد كفت لكن هذا لا يمنع من استمرار حضورها في الأشياء التي حولنا.
ألا تجسد هذه المشاهد والمناظر المستدعاة إلى شاشة الكتابة ذلك الاحتفاء بالمندثر والغائب، بالقديم الذي عفا. تلك الوجوه من الشعر والفكر والتشكيل تلك التي أعطت للزمن امتلاء ووهبت للحظات سحرا وبهاء. إذن هي كتابة ولحظات شعر فيها احتفاء بعذوبة المنصرم والزائل، عودة بالشعر، والفكر والتشكيل، ومناسبة للاحتفاء بالأمكنة والآثار القديمة، بحيث على حد تعبير الشاعر:" لا يمكننا أن نتأملها بدون حنين، حتى ولو لم تحضر سوى في حلم رسام أو بعض معاصريه، هذا الجمال الذي هو نقطة التوازن بين الأرض والسماء، الليل والنهار. هذه اللحظة حيث هناك امرأة معلقة بين غيابين. بين مجالين للظل ومضاءة باللامحدود".
النص:
ما هو المكان؟ بوجه خاص.
ما الذي يجعلنا نبني معبدا في المكان الذي تحدثت عنه في بداية هذا الكتاب، معبد يتحول مع مرور الزمن إلى كنيسة: إن لم يكن وجود نبع أو الإحساس المعتم بإيجاد "مركز" كأن يقال أن دلف هي "مركز العالم" بهذا المعنى، في سنوات ابتعاده الحالم، تذكر هلدرلين هذه الكلمات حيث طبقها في فرانكفورت هناك حيث أحب ديوتيما. يخلق شكل ما في هذه الأمكنة، تعبير عن تنظيم، نكف أخيرا عن ضلالنا، بدون أن نتمكن من شرحه أو إثباته، نحس بشعور يشبه ذلك الذي توحي به الهندسات الكبرى، هناك تواصل جديد، توازن بين اليسار واليمين، بين المحيط والمركز، الفوق والتحت، بحيث نرى انسجاما هامسا أكثر منه صارخا، فتتملكنا الرغبة بألا نغادر هذا المكان، ولا نقوم بأدنى حركة. إننا مجبرون أو محمولون على الخشوع. أ لا يمكن أن تكون كنيستنا هذه الأرض التي تفتت أسوارها، حيث ينمو البلوط، وحيث يعبرها في بعض الأحيان أرنب بري أو حجل. إننا ندخل إليها بطيب خاطر بالمقارنة مع الكنائس الأخرى، حيث نحس بالاختناق وعوض أن تذكي حماستنا تعنفنا.
يحدث لنا دائما أن نفكر، أنه في عالم منظم بكامله كهاته الأمكنة لا يجدر بنا فقط أن نقبل بالمخاطرة، بالتهاوي، ولكن لا تبدو لنا هذه التضحية كما هي في هذا العالم. يظهر هذا النظام العام خلف اللحظات الكبرى للحضارات. تصبح الحياة والإبداع أشد صعوبة حيث النظام يضعف أكثر. عندما يتشتت المركز، يبتلع أو يمحى، ويظهر توتر ما عند النخبة حيث إن الأعمال الكبيرة التي رمينا بها في الضجيج أو الفراغ تأخذ شكلا متغضنا فظيعا أو مفرطا. ينبثق الأشباح من التخوم، ليس أبدا من المركز. في البدء يظهر الحنين، الكآبة، الثورة، وفي النهاية أ لا يتحول كل هذا إلى لا مبالاة، خرس؟ لا يمكننا تخمين ذلك، أو ظنه.
هذا التفكير بخصوص الأمكنة ليس حلما بسيطا لشاعر ريفي،و مهاجر، كثيرون هم هؤلاء الذين يبحثون عن هذه الأمكنة بدون أن يدركوا ذلك (عندما يعثرون عليها، أو يقتادون إليها، يدنسونها غالبا) متضايقون من وجود عبثي، هناك فقط يسترجعون أنفاسهم،وإيمانهم بإمكانية حياة أكثر إنسانية، تستحق أن تعاش رغم كل آلامها، إنهم يأتون إليها، تقودهم غريزتهم، كما تقاد الدواب نحو المورد، بالنسبة لنا، كان نصيبنا سيكون أننا سنحيى، في تناغم عجيب اليوم، بجوار هذه المنازل المتناثرة، مطعمة ليس فقط بهذا الضوء الثابت، الدائم، والكوني، ولكن من هذه اللمعانات التي تومض، أو انعكاسات هذه اللمعانات. قطع، أو شظايا هذا التناغم.
لا يجب أن نعارض بين البراءة والثقافة فنراهما متنافرتين، تحافظ الثقافة الحقيقية على انعكاس فطري للبراءة. ويحدث أن تمر هذه الانعكاسات عبر أنساق رديئة أو مريبة. ما يمكن أن نحاكمه هو ذلك العلم الذي يعقم موضوعه: وهذا يمكنه أن ينطبق على الرجال أكثر من الأنظمة. في الواقع، عكس ما يعلنه الكثير اليوم، فإن أعمال الماضي لا تملك وجودا، إلا في حدود أنها بعيدا عن أن تكون ظلا، فإنها تضيء، بعيدا عن أن تكون ثقيلة فإنها تمنح أجنحة. شيء آخر أن يملك عددها وإتقانها الخلاق إمكانية الإعجاز. لا تقصينا الأعمال الفنية عن الحياة، بل تعيدنا إليها، تساعدنا على الحياة أفضل، بأن تمنح النظرة موضوعها الأعلى. كل كتاب جدير باسمه ينفتح كباب أو كنافذة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حديقة القراء | السمات:حديقة القراء
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 10th, 2008 at 10 يناير 2008 7:24 م
إلى الأخت المبدعة رجاء
أهنئك على هذه الترجمة الجيدة للنص، وأدعوك إلى ترجمة نصوص إبداعية أطول تستدعي نفسا أكبر
المرجو أن تذيلي ترجمتك بذكر العنوان الأصلي لنص فيليب جاكوتي
وشكرا
أخوك خالد اليعبودي