كتاب الروح/بقلم : الناقد المغربي حسن المودن
كتبهارجاء الطالبي ، في 24 ديسمبر 2007 الساعة: 19:20 م
" قليلة هي الأرواح التي تتفهم لغة الأعماق
وعظيم هو احتياجي في هذا الواقع/ الصــحراء
لمن يفهم لغة أعماقي… ربما لو تمكنت الروح
من أن تبزغ للعيان بكل جراحها بكل الأهوال
التي عبرتها وتركت ندوبها لأثارت الرعـــــــــب
بمنظرها المحروق…" ) شموس الهاوية ــ
ص 48 ــ 49 ( .
لا نبالغ إذا قلنا إن رجاء الطالبي كاتبة تحاول أن تؤسس مفهوما مختلفا للكتابة، أو الأصح أنها تؤسس الاختلاف في الكتابة: فهي تكتب الأدب، لكنها ترفض الكتابة داخل جنس أدبي محدد. وهي تكتب المرأة، تكتب جسدها وأنوثتها، تكتب امرأة المرآة، ولكن بلغة روحية تنفذ إلى ما هو أعمق من التمييز الجنسي بين الذكر والأنثى، فهي لا تقول الذات إلا في علاقتها بآخرها، لاتقول إلا لقاءه أو فقدانه، لاتقول إلا آخر الذات، ذلك المفقود المغيب لكنه المشتهى والمرغوب.
يمكن القول إننا أمام نصوص تشيد نوعا من الكتابة العابرة للأجناس، أدبيا وجنسيا. فهي يوميات عاشق أبيقوري، لا يمكنك أكنت ذكرا أو أنثى " أن تخرج من قراءتها نفس الشخص الذي وطئ أولى عتباتها، لأنها تمس فم الجرح فيك، الجرح الوجودي المتغذي من استحالة التحققات التي غدى نشدانها زوبعة وجودك الحسي". وهي، بمعنى آخر، حديقة أبيقور حيث الولع بذلك الضوء الصوفي لمدننا، لمكاننا، لذاتنا، لاخرنا، وحيث البحث عن ذلك المفقود، عن ذلك الآخر الذي مبعثه ما لا يرى وما لا يلمس.
وبعبارة أخرى، تتقدم الكتابة في نصوص رجاء الطالبي تمجيدا لذلك الصعب العسير الامتلاك، ذلك اللامرئي واللاملموس. فهي عين أخرى منزاحة عن الواقع ومنكبة على استجلاء عسير الامتلاك وعسير الرؤية والإنصات. وهذه العين تحول الكتابة إلى شفافية كبرى، إلى نزيف الشفافية، لأنها تكتب الصمت والبياض، تكتب تلك الأعماق المجهولة التي تنظرنا كلما تحررنا من قهر الحياة الخارجية، تكتب سؤال الوجود، ووجودنا اليوم أكثر من أي وقت آخر صار، على حد تعبير صديقنا الناقد محمد معتصم، وجودا بالاستعارة.
وتأتي نصوص رجاء الطالبي في سياق أدبي يركب التجريب، لكننا نفترض أنها تذهب أبعد من التجريب الذي يستلذ تدمير الكتابة وهلاك المعنى مكتفيا بجمال اللغة وبلاغتها. فهي نصوص تستعيد الهوية الأصلية للكتابة، وتعيد طرح الأسئلة القديمة قدم الإنسان: ما الإنسان؟ ما الوجود؟ ما الحياة؟ ما العالم؟ لكن السؤال في نصوصها يطرح بقوة الحياة والحب والأمل، فتتحول الكتابة إلى " هاته الشهوة العارمة"، " شهوة العالم"، الشهوة التي تتغذى من اللعب والطفولة والفوضى من أجل بناء معنى جديد للعالم والحياة والإنسان.
هي نصوص سردية شعرية، بلغة شعرية تقول الذات حكايتها. فالحكاية هنا مختلفة، ذلك أن تعقيدات الحياة ومساراتها اللاانسانية والمأساوية وأثر كل ذلك على روح الذات يجعل من الحكاية شيئا آخر غير ذلك الاهتمام التقليدي بمغامرة معينة ذات مقدمة وعقدة وحل. وبمعنى آخر، ففي هذه النصوص يأتي سؤال الحكاية، مادا وقع؟ ، سؤالا إشكاليا.
فهي نصوص تحاول أن تقول حكاية هذا العالم الذي صار ممسوخا وقدرا ومقرفا، تحاول أن تقول حكاية هذا العالم الذي وصل فيه التناقض بين المادة والروح ذروته، هدا العالم الذي فقد جذوره وأضاع روحه، هذا العالم الذي قطع الحبل السري الذي كان يشده إلى الحلم والخيال والطبيعة. والحكاية لا تصف فقط ما وقع في العالم الخارجي، بل هي تفجر خزان الأعماق وبركان الروح احتجاجا على هذا المصير المأساوي للعالم الإنساني.
الحكاية في هذه النصوص حكاية ذاتية، حكاية تقول عزلة الذات بعيدا من ضجيج العالم وزيفه، قريبا من ذلك الآخر الذي نقاسمه خبز الأعماق، قريبا من عوالم الداخل وأحلامه وحيواته، قريبا من فوضى الأحاسيس والصور والآلام والشهوات والصرخات والهمسات والفرح المجنون والضحك المدوي والبكاء الممزق. الحكاية هي حكاية من ينتشر في الكون روحا عطشى لهذا النشيد الغرائبي الذي ينبع من جسد الوجود. الحكاية هي حكاية الحب والطفولة والأمومة والأحلام، هي حكاية كل ما " يملك القوة لانتزاع أشواك الضجر والسأم والفراغ الزاحفين على تراب الروح يمتصون حيويتها".
لم تعد الحكاية مادية في هذه النصوص، بل تحولت إلى مأساة روحية تحتج على المعنى الذي صار إليه الإنسان والعالم والحياة. لم تعد الحكاية تقول الخارج والواقع المادي، بل غدت تقول السري والحميمي، اللامرئي والمغيب، ذلك الوجود في عمقه الإنساني.
ليست هذه النصوص كتابة مغامرة، بل هي مغامرة في الكتابة، كتابة تتحرر من التقاليد الأدبية ومن مؤسسة الأجناس، والجنس هنا بكل معانيه وإيحاءاته، الأدبية والجنسية والثقافية. وبمعنى آخر، هي مغامرة في الكتابة، لأنها لا تكتفي بتوظيف بعض أدوات الشعر، بل هي تحاول أن تستعيد بعض مطامح الشعر: أن تعطي الانفعال دلالته الكاملة وأن تحوله إلى حقيقة كونية. ومن هنا يتحول النص إلى محكي مندفع متدفق يعانق القوة الانفعالية للذات واللغة معا.
هي نصوص تعلن انتسابها إلى تلك السلالة الفريدة: رامبو، هولدرلين، نيتشه، النفري، جلال الدين الرومي، جبران خليل جبران، ريلكه…، السلالة التي تريد أن تكتب ذلك النشيد العميق الذي ينقل صرخات الروح وآلام الجسد، والذي يقول ما فينا من الغرابة والعزلة والمجهول والحب والألم والجمال.
هي نوع من النصوص التي تحدث عنها جبرا إبراهيم جبرا في " الحرية والطوفان "، نصوص توحي أكثر مما تنص، وتثير أكثر مما تعين، وحافزها الدائم هو إنسانية لا تستكين.
هي نوع من النصوص التي تمارس الحفر بحثا عن الوجه الذي طمسته الأصباغ والأقنعة، نوع من الاختيار الوجودي، نوع من الموت الذي يعيد الحياة للوجه الذي فقدناه في كرنفال الحياة الصاخب.
مع هذه النصوص نكون أمام كتابة تمارس الموت، مع هذه النصوص نكف عن أن نكون، لنرى ما هو كائن.
ملحوظة: هذه المقالة هي في الأصل تقديم لقصص الكاتبة المغربية رجاء الطالبي:
" عين هاجر"(2004،منشورات دار الثقافة، البيضاء).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قراءات عاشقة | السمات:قراءات عاشقة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























